ظهور كليلة ودمنة
كتبهاالفيلسوف بيدبا المصري ، في 14 فبراير 2008 الساعة: 00:26 ص
ظهور كليلة ودمنة
…..

…..
كان بأرض مجاورة تسمى ’’دستاوند‘‘ رجلٌ شيخٌ وكان له ثلاثة بنين . فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم ؛ ولم يكونوا احترفوا حرفةً يكسبون لأنفسهم بها خيراً . فلامهم أبوهم ؛ ووعظهم على سوء فعلهم .
وكان من قوله لهم : يا بني ؛ إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء :
أما الثلاثة التي يطلب ، فالسعة في الرزق ، والمنزلة في الناس ، والزاد للآخرة .
وأما الأربعة التي يحتاج إليها في درك هذه الثلاثة :
فاكتساب المال من أحسن وجه يكون .
ثم حسن القيام على ما اكتسب منه .
ثم استثماره .
ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان ، فيعود عليه نفعه في الآخرة .
فمن ضيع شيئاً من هذه الأحوال لم يدرك ما أراد من حاجته ، لأنه إن لم يكتسب ، لم يكن مالٌ يعيش به .
وإن هو ذا مالٍ واكتسابٍ ثم لم يحسن القيام عليه ، أوشك المال أن يفنى ويبقى معدماً .
وإن هو وضعه ولم يستثمره ، لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة الذهاب ، كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا غبار الميل ثم هو مع ذلك سريعٌ فناؤه .
وإن أنفقه في غير وجهه ، ووضعه في غير موضعه ، وأخطأ في مواضع استحقاقه ، صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له ، ثم لا يمنع ذلك ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه .
ثم أن بني الشيخ اتعظوا بقول أبيهم وأخذوا به وعلموا أن فيه الخير.
فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ’’مَيون‘‘ ؛ فأتى في طريقه على مكان فيه وحلٌ كثيرٌ ، وكان معه عجلةٌ يجرها ثوران ؛ يقال لأحدهما ’’شتربة‘‘ وللآخر ’’بندبة‘‘ ، فوحل ’’شتربة‘‘ في ذلك المكان ، فحاول الرجل وأصحابه إخراجه حتى بلغ منهم الجهد ، فلم يقدروا ، فذهب الرجل وترك عنده رجلاً يشارفه ؛ لعل الوحل ينشف فيتبعه بالثور . فلما بات الرجل بذلك المكان ، تبرم به واستوحش ، فترك الثور والتحق بصاحبه ، فأخبره أن الثور قد مات ؛ وقال له :
إن الإنسان إذا انقصت مدته وحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيئاً ، وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالاً عليه .
وأما الثور فإنه خلص من مكانه وانبعث . فلم يزل في مرج مخصب كثير الماء والكلأ ، فلما سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار . وكان قريباً منه أجمةٌ فيها أسدٌ عظيمٌ ، وهو ملك تلك الناحية ، ومعه سباعٌ كثيرةٌ وذئابٌ وبنات آوى وثعالب وفهودٌ ونمورٌ ، وكان هذا الأسد منفرداً برأيه دون أخذٍ برأي أحد من أصحابه . فلما سمع خوار الثور ؛ ولم يكن رأى ثوراً ٌ ، ولا سمع خواره ، لأنه مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط ، بل يؤتى برزقه كل يوم على يد جنده . وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال لأحدهما ’’كليلة‘‘ وللآخر ’’دمنة‘‘ ، وكانا ذوي دهاء وعلمٍ وأدبٍ . فقال ’’دمنة‘‘ لأخيه ’’كليلة‘‘ :
يا أخي ما شأن الأسد مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط ؟
قال له ’’كليلة‘‘ :
ما شأنك أنت والمسألة عن هذا ؟ ، نحن على باب ملكنا آخذين بما أحب وتاركين لما يكره ، ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهله كلام الملوك والنظر في أمورهم . فأمسك عن هذا .
قال ’’دمنة‘‘ :
ولكن اعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه ، وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت العدو . وإن من الناس من لا مروءة له ، وهم الذين يفرحون بالقليل ويرصون بالدون ، كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به . وأما أهل الفضل والمروءة فلا يقنعهم القليل ، ولا يرضون به ؛ دون أن تسموا به نفوسهم إلى ما هم أهلٌ له ، وهو أيضاً لهم أهلٌ ، كالأسد الذي يفترس الأرنب ، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير ، ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه ، حتى ترمى له الكسرة ، وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدمإليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق له . فمن عاش ذا مالٍ وكان ذا فضلٍ وأفضالٍ على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر . ومن كان في عيشه ضيقٌ وقلةٌ وإمساكٌ على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه . ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عد من البهائم .
…..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج














‘‘تواصل معي بتعليقك حتى نكسر حاجز الصمت،،
ـ










فبراير 14th, 2008 at 14 فبراير 2008 1:00 م
أستاذى الفاضل
عودتنا دائما على الروائع والابداعات ودائما نجد الجديد أتمنى لك الوفيق
فبراير 16th, 2008 at 16 فبراير 2008 3:11 ص
الأخ الفاضل الفيلسوف بيدبا المصري
فقد استعدت معك صفحة من كليلة ودمنة
والاستحضار مركز
وتم فيه تخطي حكايات فرعية
وهو عمل جعل الإمساك بتلابيب الحكاية في متناول القارئ
.
كانت لي هنا فرصة للتأمل
فالثلاثة التي يطلبها صاحب الدنيا ينقصها أمر رابع
ففضلا عن السعة في الرزق والمنزلة بين الناس والزاد للآخرة هناك ولا شك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والأربعة التي بها تطلب الثلاثة هي إن تؤملت كلها تتركز حول المال والمال فحسب وما يجره من اكتسابه وحسن القيام عليه واستثماره وحسن إنفاقه، وهذا لعله كان يخدم عبد الله بن المقفع في عهده، فقد كان ممتلئـًا بالعلم فلم يلتفت إليه، وإن كان قد أوهمنا أنه يترجم نصًا عتيقــًا. وإنما سبيل العلم بشتى تفرعاته لا مندوحة عنه لنيل الثلاثة، فإن استعسرت السعة في الرزق، فلا شك أنه مطية أكيدة لإدراك المكانة بين الناس، وكذا للتزود للآخرة بالتفقه في الدين. لا بد من معاودة تفحص هذه المعلومات، وبها الكثير من خلفيات مرادات صاحب النص السياسية وخاصة منها الإيديولوجية. زد على ذلك حتى بعض المعلومات حول تصرفات الحيوان، فما قاله عن تعامل الفيل مع ما يتناوله مما يقدم له ليس صحيحــًا، وأنا من المعجبات بالفيل بصفة خاصة، ولا تفوتني الفرصة كلما زرت حديقة الحيوانات دون أن أحمل له أنواع الأرغفة، وستعجب لتصرفه، أرميه بالخبز الباريزي فيتناول المستطيل من منتصفه ثم يرسله دفعة واحدة إلى فيه المشرع عن آخره، وكذلك يفعل عندما أقذفه بالقطعة الصغيرة، يمد خرطومه ويتهافت على نيلها ثم يودعها فمه. الفيل كغيره من معظم الحيوانات متهافت على ما يقدم له من أنواع المأكولات.
.
ويبقى موقف كليلة من السلطان والدافع إليه، وموقف دمنة وتصنيفه للمتقربين من السلطان، فهنا أيضــًا لا ينحصر التصنيف فيما أتى به
.
كأني أتمنى أن لو تمكنا يومًا من معاودة كتابة كليلة ودمنة مع التصحيح اللازم للمواقف والأفكار بل وحتى لسير الحكايات
.
ويبقى لأخوتكم الفضل في حث الذهن على إعمال النظر في هذا النص الفريد
.
تقبل أخي أسمى آيات تحياتي واحترامي وتقديري
وما أبدع بيدبا عندما يكون مصريــًا صميمــًا
*
فبراير 16th, 2008 at 16 فبراير 2008 8:30 ص
الأستاذ أو الأستاذة المجهول
أشكر لك الزيارة
تحياتي
فبراير 16th, 2008 at 16 فبراير 2008 9:54 ص
الأستاذة الفاضلة سلوى جلال
تحياتي لك وأقدر لك تفهمك الواضح لكتاب ابن المقفع كليلة ودمنة
واحترم رأيك جدا في كل ما ذكرته هنا
ولكن الرابعة التي أضفتها للثلاثة وهي”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فهي تدخل ضمن الثالثة وهي “التزود للآخرة”
والمال الذي تم التركيز عليه في كسبه والقيام عليه واستثماره وحسن إنفاقه ، فهو المحور الرئيسي في الحياة والذي يلزم لاكتساب المنزلة وإنفاقه في سبيل الله للتزود للآخرة
والتركيز في هذا الإدراج على إظهار الشخصيات وخاصة شخصيتي كليلة ودمنة للقارئ لأن أغلب الجيل الحالي لا يعلم عنهما الكثير
والهدف ليس نقل كتاب ابن المقفع ولكن استخدام شخصياته للانطلاق بها في عالمنا المعاصر وتناول همومنا الحالية فمحور المدونة هو كليلة ودمنة 2008
ولو قرأت الإدراج السابق “الزعامة من باب القيادة” لتأكد لك هذا
وأهلا بك دائما زائر عزيز أعتز برأيه
تحياتي وتقديري لك
فبراير 16th, 2008 at 16 فبراير 2008 7:39 م
حكيم زماننا بيدبا العصر …
غوص عميق في شخصيات ابن المقفع …
رغم بساطة الشخصيات فالمعنى عميق ..وقوي ..
تحياتي وننتظر المزيد …
فبراير 18th, 2008 at 18 فبراير 2008 8:14 م
إن الإنسان إذا انقضت مدته وحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيئاً
كلام حكماء فعلا
احترامي لك أيها الفيلسوف
فبراير 19th, 2008 at 19 فبراير 2008 8:13 ص
الأخ الفيلسوف بيدبا المصري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دمت بخير على حكمك المفيدة والتي نرجو أن نستفيد منها
تحياتي وتقديري
فبراير 19th, 2008 at 19 فبراير 2008 8:29 ص
الأخت العزيزة زهرة النسرين
سررت لمرورك بغابتي وأتمنى دائما المزيد
حتى تزدهر هذه الغابة وتطرح المزيد من العبر والحكم
أحسن الله إليك
فبراير 19th, 2008 at 19 فبراير 2008 8:31 ص
الأخت الغزيزة الأم الحنون
أشكر لك زيارتك وأتمنى تكرار الزيارات
كما أشكرك على تعليقك المساند
أحسن الله إليك
فبراير 19th, 2008 at 19 فبراير 2008 8:33 ص
الأخ العزيز محمود مرسي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أفاض الله عليك الخير كله